الشيخ السبحاني

13

الإلهيات على هدى الكتاب والسنة والعقل

يتشخص ، فلا يكون متحققا ، لأن الكثرة رهن دخول شيء مغاير في حقيقة الشيء . مثلا : البياض بما هو بياض ، لا يتصور له الاثنينية ، إلّا إذا دخل فيه شيء غيره ، كتعدد المحل ، فيتعدد البياض ، ولولا ذلك لصار البياض صرف الشيء ، وهو غير قابل للكثرة . يقول الحكيم السبزواري في هذا الصدد : وما له تكثّر قد حصلا * ففيه ما سواه قد تخلّلا إنّ الوجود ما له من ثان * ليس قرى وراء عبّادان « 1 » والمراد من كونه سبحانه واحدا ، هو الواحد بالمعنى الثاني ، أي ليس له ثان ، ولا تتصور له الاثنينية والتعدد . ولأجل ذلك يقول سبحانه في تبيين هذه الوحدة : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ، أي واحد لا نظير له . والعجب إنّ الإمام أمير المؤمنين عليا ( عليه السّلام ) قام بتفسير كونه تعالى واحدا ، عندما كان بريق السيوف يشد إليه العيون ، وضربات الطرفين تنتزع النفوس والأرواح في معركة ( الجمل ) ، فأحس ( عليه السّلام ) بأنّ تحكيم العقيدة وصرف الوقت في تبيينها لا يقصر في الأهمية عن خوض المعارك ضد أهل الباطل : روى الصدوق أن أعرابيا قام يوم الجمل إلى أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) فقال : « يا أمير المؤمنين أتقول إنّ اللّه واحد ، قال فحمل الناس عليه ، وقالوا : يا أعرابي أما ترى ما فيه أمير المؤمنين من تقسم القلب ، فقال أمير المؤمنين : دعوه ، فإنّ الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم » . . . ثم قال شارحا ما سأل عنه الأعرابي : « وقول القائل واحد ، يقصد به باب الأعداد ، فهذا ما لا يجوز ، لأنّ ما لا ثاني له ، لا يدخل في باب الأعداد ، أما ترى أنّه كفر من قال « ثالث ثلاثة » » .

--> ( 1 ) شرح المنظومة ، ص 333 .